السبت، 12 يناير 2019

واهٍ من ريح الجنة

 قصة أخرى ذكرها الشيخ الدهلوس أيضا في شريطه
" قصص كخيال "

أكتبها للعبرة والعظة .. ولنأخذ الفرق ما بين القصة الأولى
 والثانية وشتان والله ما بينهما:

* *

قصة أخرى أيها الأحباب فإني لم أختر لها عنوانا
بل من اختار العنوان لها هو صاحب القصة بنفسه..

وعنوانها ( واهٍ من ريح الجنة )
لأن ريح الجنة أيها الأحباب كما صح بذلك الحديث يوجد من مسيرة كذا وكذا من السنين..

ويروي هذه القصة أحد الأطباء ومعه مجموعة من مساعديه وهو لا يزال على رأس العمل يقول:

جاءني نداء عن حالة طارئة في الإسعاف وباشرنا هذه الحالة وكانت عبارة عن شاب أصيب بطلق ناري عن طريق الخطأ

وكان والداه معه في سيارة الإسعاف
وكان يتكلمان معه 

ويقول لهم: ( لا تخافا علي بعد اليوم، أبي وأمي لا تخافا علي بعد اليوم إني ميّت وإني والله أشم رائحة الجنة )

لم تكن هذه الكلمات التي قلما نسمعها من الموتى لوالديه فقط
حتى يكون في الخبر ريبة

بل عند محاولة الطاقم الطبي لإسعافه وعمل التنفس الاصطناعي له كان يقول لهم: 
( يا إخوتي لا تتعبوا أنفسكم فإني أشم رائحة الجنة )

وقد شهد بهذا الكلام الطاقم الطبي بكامله!

ثم قبل موعد الرحيل طلب من والديه..

أنظروا أيها الأحباب.. انظروا إلى الفارق بين هذا وتلك..

قبل موعد رحيله طلب من والديه الدنو منه
فدنو في لحظة الوداع ثم قبلهما قبلة الوداع بطمأنينة عجيبة وسكون نفس وطلب منهم السماح ثم سلم على إخوته والحاضرين ثم تشهد وأسلم روحه إلى بارئها..

ماذا أقول
وبأي شيء أعلق
وماذا عساي أن تسعفني الكلمات

لكن لا والله هذا ليس بغريب أليس يقول الله عز وجل: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ﴾

أليس الله هو الذي يقول: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾

كان هذا الشاب وبشهادة الجميع الأهل والجيران أهل بيته وجيرانه كان هذا الشاب قواما صواما يوقظ أهل بيته وجيرانه لصلاة الفجر..

هذا الشاب هذه هي خاتمته يا شبابنا

لأنه لم يكن يقوم الليل أمام القنوات.. ولم يكن يصوم النهار عن الصلوات.. لم يكن ينام على المنكرات.. ولا يتسكع في الشوارع والطرقات..

فيا أيها الناس.. يا أيها الناس

إن بين يدينا يوما عظيما عند رب العالمين

يا أيها الناس..

إن بين يدينا يوم عظيم
يوم يقف الناس بين يدي رب العالمين
فيخاطب الله كل واحد منا كفاحا والشاهد أيها الأحباب عليك جسمك يشهد عليك قال الله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

فأعدوا أيها الناس أعدوا للسؤال جوابا وللجواب صوابا
واتقوا الله عز وجل اتقوه وراقبوه في السر والعلن..

 من شريط قصص كخيال

✍ تحرير : حورية الدعوة
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا دعا الرجل لأخيه بظهر الغيب قالت الملائكة : ولك بمثل »

القصة وقعت لإحداهن وترويها بنفسها


هذه الدنيا بزينتها وزخرفها وبهائها ورونقها
وبهجتها ، وسرورها ، وطبيعتها الخلابة ، تنطوي
على الكثير من الآلام ، والأوجاع والمآسي المرة ،
وهؤلاء البشر بمشاعرهم الدفاقة ، وإحساسهم
النبيل ورقة شعورهم وحنانهم الذي منحهم إياه
الخالق سبحانه وتعالى ، نجد بعضهم يتجردون من 
كل تلك الصفات الطيبة ويلبسون جلوداً أشبه بجلود
الوحوش ، ويحملون بين حناياهم قلوباً هي
كالحجارة أو أشد قسوة.


❀ ❀

هذه القصة وقعت لإحداهن وترويها بنفسها.
كنت صبية بريئة ، أرتع وألعب في بيت أبي ، ليس لي حظ في التعليم - كعادة أهل بلدتنا آنذاك – ولكني كنت أحمل وجهاً جميلاً وضاءً كالبدر ليلة استدارته ، تقاليدنا تفرض علينا أن تتعلم الفتاة شؤون البيت ولا تخرج من بيت أبيها إلا لبيت زوجها ، وعند بلوغي سن الخامسة عشرة تقدم إلي شاب فوق منتصف الثلاثينات وتم زفافي له رغم الفارق الكبير في العمر ، فقط لكونه قادماً من بلاد الثروة والمال.

فالقول في شأن الزواج في عرفنا هو للوالدين ، وليس للفتاة رأي في زواجها ، فإذا وافق الوالدان فهي بطبيعة الحال موافقة ، هكذا تم زواجنا مثلما يفعل كل أهل البلدة ، كان حظي سعيداً ، فبالإضافة إلى الوضع المادي والمسكن والمأكل والملبس الطيب ، فقد كان زوجي بفضل الله رجلاً طيب المعشر، أغدق علي من الحب والحنان ، ما جعله يمثل بالنسبة لي الأخ والزوج والأب ، وعشت في كنفه أجمل أيام العمر وكان بعد أن يعود من عمله يقضي معي وقتاً كافياً ليعلمني الكتابة والقراءة حتى تعلمت والحمد لله ، وبعد ثلاث سنوات من زواجنا رزقنا الله طفلاً وديعاً جميلاً يحمل ملامح والديه ، ولم يمض وقت طويل حتى لبّى زوجي نداء ربه أثر سكتة قلبية لم تمهله كثيراً ، فانقطعت أيام السعادة ، وانطوت ليالي الأنس وصرت وحيدة في هذه الدنيا ليس لي فيها إلا طفلي الصغير ، وذكريات والداه التي لا تنسى أبداً.

بعد انقضاء فترة العدة والحداد ، هممت بوداع أهل زوجي ، والعودة إلى بيت أهلي ، فرفض أهل الزوج أن آخذ الطفل ، ورحبوا ببقائي معهم لرعاية صغيري ، وتدخل والدي رافضاً بقائي مع أهل زوجي ، والبيت يضم عدداً من الشباب ، فرد عليه والد زوجي بقوله " بنتك لك ، وابننا لنا " فكان رد والدي كيف نفرق بين الأم وولدها الرضيع ، وأخيراً اتفقا على تزويجي من شقيق زوجي للم الشمل ، وبقاء الطفل مع أهل والده.
ويا له من زواج .. شتان ما بين الأخوين ، إنه بعد الثريا عن الثرى فزوجي الراحل رحمه الله ، كان خلوقاً مهذباً دلني على الكثير من أعمال الخير والصلاح ، وشقيقه ، رجل سكير عربيد ، يقضي من الليالي في مخافر الشرطة أكثر مما يقضي مع أسرته ، عموماً دخلت معمعة الحياة الجديدة بكل ما تنطوي عليه من مفارقات ، ومرت الأيام كئيبة متثاقلة رتيبة ، وكبر الابن وبلغ مرحلة المراهقة ، ولكن أخذه عمه بيده ، وسار به في طريق الانحراف والضلال.
استخدمه في إحضار المسكرات ، ونقل بعض الممنوعات ، وحينما كنت أعترض على ذلك ، كان الرد يأتيني في شكل صفعة على وجهي ، أو ضربة تبقى آثارها لأيام كالوشم ، حاولت أن أهرب بمستقبلي وأملي في الحياة لبيت أهلي ، ولكن تعالت أصوات أسرتي أتهربين من بيت زوجك؟ ماذا سيقول عنا الناس؟ ومن أجل الضغط عليّ قال والدي : مرحباً بك في بيتك ما ابنك فأهله أحق به ، فأغلقت الأبواب في وجهي ، ولم يبق لي إلا وجه الواحد الأحد ، فظلت أسأله في جوف الليل أن يصلح عم ابني – المدعو زوجي – وأهمل الابن مدرسته وعندما اعترضت على ذلك تدخل عمه وقال كم يحصل حملة الشهادات الجامعية؟ إن ابنك يقبض في كل يوم ما لم يحصل عليه كبار الموظفين.

فأصبح العم الشرير يعني كل شيء في حياة ابني فكلما اقترب من عمه ابتعد عني ، وتطور الأمر حيث صار هو وعمه يعاقران الخمر سوياً وأمام ناظري في المنزل ، وإذا حاولت أن أنصحهما أو أهددهما بإبلاغ الشرطة ، انهالت عليّ الصفعات والضربات التي لا أفيق منها إلا في صبيحة اليوم التالي.

الأمور تطورت ، ولم تقف عند هذا الحد ، بل بلغت شأناً لم أتوقع أن تصله ، وتمنيت أن أفنى قبل أن أراه ، حيث جاء ابني ذات يوم وهو في حالة سكر وبصحبته إحدى فتيات الهوى يريدها أن تنام معه في بيتي ، وتدخلت بذهول شديد ، وذكرته بأن ما يفعله حرام ، فأشارت إليّ الفتاة وهي تسأل ابني: من هذه السيدة؟ قال لها ما يهمك يا حياتي .. هذه خادمتنا ، وأمام ذهولي ، وجنوني تدخل العم " الشيطان الأكبر " وهو في حالة سكر وصرخ رافعاً يده ليضربني .. أتركي الولد يعيش شبابه .. فتنهدت والغصة تملأ حلقي ، ويضيق صدري بما أسمع وأرى ، آه ابني الذي تحملت الهوان لأجله يتبرأ مني من أجل ملذات الدنيا ، ولأجل واحدة من فتيات الهوى!!
يبيع آخرته بدنياه .. آه ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً ، وهكذا في ظل مجون الابن وعمه صار بيتنا طارداً للفضائل ، محتضناً للرذائل ، فصبرت متحملة على أمل أن يطل علينا صبح يبدد ظلام الليل الدامس ، ولكن هذا الصبح الخجول المتواري لم يصل قبل حلول الطامة الكبرى .. فذات يوم في إحدى ليالي نهاية الأسبوع أحيا ابني وعمه ليلة حمراء في منزلي برفقة أصدقاء الشر ، فاعتصمت في غرفتي وأنا أصلي وأسأل الله أن يكشف ما بي من غم ، وفي الغرفة المجاورة أديرت الكؤوس ، وسرى مفعولها في الرؤوس ، وقال أحد الجالسين نريد حسناء تكمل لنا الجلسة ، فأجاب العم من أين وأسعار بنات الليل قد ضربت في العلالي ، فأردف أحدهم : هات المدام.
تعالت أصواتهم بالضحك والتعليقات وكلهم سكارى ، وقام أحدهم ، وطرق باب غرفتي ، وهم من خلفه ، وصاح: افتحي الباب وسأنسيك سهر الليالي ، فأنا لم آت إلا لرؤيتك وكثر الطرق وتعالت الأصوات حتى حدث ما لم يكن بالحسبان ، حيث سمعت صوت ابني من بين صخب الأصوات وهو يقول: افتحي الباب هؤلاء أصحابنا وأحبابنا ، هنا أصابني ما يشبه الجنون ، فأنا لست مصدقة لما وصل إليه ابني وعمه ، ناهيك عن التصرفات التي قاموا بها وهم سكارى فكنت في حالة بين اليقظة والأحلام بينما الطرق يتزايد

تعالت أصواتهم بالضحك والتعليقات وكلهم سكارى ، وقام أحدهم ، وطرق باب غرفتي ، وهم من خلفه ، وصاح : افتحي الباب وسأنسيك سهر الليالي ، فأنا لم آت إلا لرؤيتك وكثر الطرق وتعالت الأصوات حتى حدث ما لم يكن بالحسبان ، حيث سمعت صوت ابني من بين صخب الأصوات وهو يقول : افتحي الباب هؤلاء أصحابنا وأحبابنا ، هنا أصابني ما يشبه الجنون ، فأنا لست مصدقة لما وصل إليه ابني وعمه ، ناهيك عن التصرفات التي قاموا بها وهم سكارى فكنت في حالة بين اليقظة والأحلام بينما الطرق يتزايد ، ويتنامى معه الخوف داخلي سألت الله الخلاص ، وقررت الخروج من النافذة ، وأخذت بعضاً من حاجياتي الضرورية ، عندما كانت الأرض قريبة حيث نسكن في الطابق الأول ، فقد قررت القفز من النافذة فسقطت على الأرض مغشياً عليّ ، ولم أفق إلا على السرير الأبيض ، وحمدت الله أنه سقوط جسدي وليس سقوطاً أخلاقياً ، ومكثت بالمستشفى عدة أيام حتى تداوت جراحي البدنية ، ولكن ظلت جراحي النفسية تزداد عمقاً فمن يداويها ؟ وبعد خروجي من المستشفى كنت في حيرة من أمري ، أين أذهب ، إلى أهلي الذين ضحيت بهم من أجل ولد عربيد ، أم إلى أهل زوجي لأعود مجدداً إلى سجن ابنهم السكير ، ساعدني بعض أهل الخير حتى التحقت بالعمل في منزل أسرة طيبة عاملتني معاملة راقية أنستني مرارة الألم مع أني كنت متأثرة بما حدث لي ولم يكن أدائي في خدمتهم بالمستوى المطلوب.
فكنت أمضي النهار عملاً مع بقايا الجراح والكسور التي أصابتني أثر السقوط من الدور الأول ، فإذا جاء الليل ، تجددت الآلام الجسدية وصاحبتها آلام نفسية وبعد سنوات حينما أبلغت تلك العائلة بأنني سأترك العمل لديهم جمع الأب أبناءه وزوجته وسألهم من منكم تسبب في مضايقة هذه المرأة الطيبة ، فتدخلت وقلت له لم يحدث شيء من هذا القبيل ، بل العكس لقد عاملتموني معاملة لم أجد مثلها ، وإنما تقدم بي العمر ، وصرت عاجزة عن خدمتكم ومقصرة في واجبي تجاهكم ، فأرجوكم أرجوكم أسمحوا لي بالرحيل ، فوافقوا بعد إلحاح مني ولكن بشرط أن أبقى بدار المسنين حتى يتسنى لهم زيارتي والتواصل معي ، وبالفعل لم ينقطعوا عني منذ ثمان سنوات وأنا بهذه الدار أما ابني وعمه فهذا حلم مزعج وكابوس طويل فقد أفقت منه بفضل الله.

◽️◽️

📚 تم تحريره من مجلة نون العدد الأول

✍ تحرير : حورية الدعوة
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا دعا الرجل لأخيه بظهر الغيب قالت الملائكة : ولك بمثل »

الخميس، 10 يناير 2019

كيف يكون الرجل في بيته؟!

فاعتبروا يا أولي الأبصار

كيف يكون الرجل في بيته ؟ !

مع انتشار ظاهرة الترف في المجتمعات الإسلامية والعربية يلاحظ حاجة الكثير من الناس إلى الأيدي العاملة المنزلية والفنية، وتصرف أموال طائلة على أمور الصيانة للأجهزة المنزلية البسيطة وغيرها، وتذهب تلك الأموال غالباً لغير بني جلدتنا ولمن لا يدين بديننا. ولا يخطر ببال أحد إلاّ القليل أن يتولّى معرفة شيء من ذلك أو إصلاح ما يمكن إصلاحه من أمور الصيانة المنزلية بحجة أن مالك يخدمك، أو قول بعضهم لم أتعب نفسي وأكلفها شيئاً من هذا القبيل، وعدم استعداد البعض أن يبذل بعض الجهد أو أن يعرق لعمل ذلك ( الله المستعان ).

وتزداد البدانة في الرجال بشكل خاص وتصرف الأموال والأوقات فيما لاطائل تحته، ولا نحاول أن نكسب خبرة أو نزداد علماً ومعرفةً في إصلاح تلك الحاجات اليومية التي توسعنا في إحداثها، وما المانع في أن نحاول ذلك أو أن نستفيد من خبرة صديق أو تجربة مجرب؟

إننا إذا وضعنا ذلك نصب أعيننا – والتجربة خير برهان – وجدنا أنه بإمكاننا عمل الكثير وإصلاح الكثير وبالتالي يمكننا الاستغناء عن الأيدي العاملة غير المدربة التي تتدرب في بلادنا وتجرب حظها في بيوتنا ومكاتبنا، ولوفرنا الكثير من أموالنا . . وفي سلفنا الصالح وما كانوا عليه خير أسوة وقدوة، ففي السنة المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام تقول أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – حين سُئلت :
ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته. قالت: ( إنه في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة ) رواه البخاري وغيره.

والمراد بقولها كان في مهنة أهله أي في خدمة أهله، وقد جاء في رواية أخرى مفسرة لذلك قالت: يخيط ثوبه ويخصف نعله ويحلب شاته ويرقع دلوه، ويخدم نفسه ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم. وفي رواية: كان ألين الناس وأكرم الناس وكان رجلا من رجالكم إلا أنه كان بساما عليه الصلاة والسلام.

وقد كان بإمكانه بأبي هو وأمي – صلى الله عليه وسلم – أن يجد من يخدمه من البشر الذين يتقربون إلى الله تعالى بالتقاط عرقه ومخاطه ودمه بعد الحجامة ويتقاتلون في ذلك ويبذلون مهجهم في سبيل خدمته وراحته ولكنها أخلاق الأنبياء التواضع والبعد عن التنعم وامتهان النفس ليستن بهم غيرهم ولئلا يخلدوا إلى الرفاهية المذمومة، فاعتبروا يا أولي الأبصار.

◽️◽️

📰 جريدة الجزيرة
الشيخ عبد الرحمن بن سعد الزير / كوالالمبور – ماليزيا

✍ تحرير : حورية الدعوة
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا دعا الرجل لأخيه بظهر الغيب قالت الملائكة : ولك بمثل »

الأربعاء، 5 ديسمبر 2018

هل جربت الحياة يوما في مخيم؟


حين تدخلين إلى سريرك وتنعمين بالراحة والاسترخاء.. هل نظرت يوماً إلى سقف غرفتك وحمدت الله سبحانه وتعالى لأنك.. في غرفة.. وفوق رأسك سقف.. وفي مكان آمن.. آمنة على نفسك.. عرضك.. ودينك.. ؟

هل حمدت الله لأنك تستطيعين أن ترتاحي وتنامي بينما غيرك حرم هذه النعم؟

هل جربت أن تبيتي في مخيم لاجئين؟.. حيث الأطفال يتصارخون.. ويبكون.. والريح تعبث بأروقة الخيام..حيث لا تجدين وسادة تضعين عليها رأسك؟
حيث لا تجدين حماماً- أعزك الله- تغتسلين فيه أو تشمين فيه رائحة الصابون أو الشامبو؟

هل جربت أن تسمعي قذف الصواريخ والقنابل في الليل وأنت ترتجفين خوفاً وهلعاً ؟ هل شعرت بالخوف من جنود العدو يخطفون أطفالك أو يهددون عرضك؟

هل شعرت بالجوع يقرصك ويعصر الأطفال حولك فلا تجدين ما تطعميه إياه..

هل جربت شعورك بالعجز.. بالضياع.. بالضعف..

شعورك بالحاجة لجرعة ماء نظيفة..؟
حاجتك لفراش بسيط تستلقين عليه وترتاحين لساعات..؟

هل جربت مرارة فقد الأحبة واحتضارهم أمام عينيك وأنت عاجزة عن المساعدة بإسعاف بسيط؟

هل جربت ألم الضياع بكل بساطة؟
ضياع البيت والوطن والأحبة.. وفقدان غرفتك.. ودفاترك وأشيائك الجميلة..

أحياناً نتباكى بسبب مشكلة مع قريب.. ونتذمر بسبب صداع خفيف.. ونكتئب بسبب شجار تافه..
نقيم الدنيا ولا نقعدها حين تنقطع الكهرباء لدقائق بسيطة في حر الصيف اللاهب..
ونتناسى أولئك الذين يموتون تحت لهيب الشمس في المخيمات أو فوق صقيع الثلوج.. يمرضون فلا يجدون من يعالجهم.. يجوعون فلا يجدون من يطعمهم.. ويموتون فلا يجدون من يكفنهم..

ألا نتوقف لحظة ونحمد الله..

ألا نشكره بكل بساطة على ما لدينا بدلاً من التطلع لما ليس لدينا؟

أتمنى لو تعيش كل فتاة من فتياتنا تجربة العيش في مخيم فلسطيني.. أفغاني.. أو شيشاني.. ليوم واحد فقط..
لا أتمنى ذلك لشيء.. سوى لكي تعرف قيمة الحياة الرغدة التي تعيشها.. حياة الأميرات..

إذا كنت تريدين العيش في سعادة.. فاشعري بما لديك.. قبل أن تتطلعي لما ليس لديك..
قبل أن تقارني نفسك بالصديقة التي تسافر لجنيف أو فيينا.. أو تلك التي تشتري جوالاً حديثاً كل شهرين.. قارني نفسك بأختك اليتيمة في المخيم.. واحمدي الله على نعمه العظيمة..

قبل فترة قالت لي إحدى الأخوات :
أوصلني أخي إلى بيتي مع أطفالي آخر الليل بعد عودتي من مناسبة عائلية.. وحين دخلت بيتي (وذهب أخي).. وجدت الباب الداخلي مقفلاً.. وكان زوجي بعيداً ولن يأتي قبل ساعتين.. وكان جوالي مطفأ.. فاضطررت مع أطفالي للبقاء في الحوش الصغير لمدة ساعتين.. والله لا أستطيع أن أصف مرارة هاتبن الساعتين اللتين عشتهما في ضياع.. نعم ضياع .. أطفالي يبكون والحر شديد (رغم أن الوقت كان ليلاً).. وأنا خائفة من أن يقفز علينا أحد من السور لا سمح الله.. ولدي يبكي عطشان.. والبنت تبكي تريد الحمام.. وأنا متعبة جداً ولا أعرف كيف أساعدهم.. وانتهى الأمر بأطفالي المساكين بعد البكاء الطويل أن فرشت لهم عباءتي على الأرض فناموا عليها.. تمنيت لو أستطيع أن أتوضأ لأصلي على راحتي فلم أستطع.. تمنيت لو أستطيع النوم فلم أستطع لقساوة الأرض ولخوفي على أولادي.. وفي النهاية لا أعرف كيف أخذت أبكي من شدة الضيق والتعب والنعاس..
حين أتى زوجي ودخلنا البيت شعرت بفرحة عظيمة وحمدت الله أن ذلك الكابوس انتهى.. والله لقد شعرت بقيمة البيت.. والأمان.. والراحة.. شعرت بقيمة السرير.. والماء.. والسقف.. والتكييف.. حمدت الله كثيراً واستشعرت النعم التي لم أفكر يوماً بها.. وأخذت أتخيل حال إخواني المسلمين في الملاجئ.. كيف يعيشون هذه الحياة كل يوم.. سنوات طويلة؟


نوف الحزامي
📚 منتقى من احدى المجلات الاسلامية

✍ تحرير : حورية الدعوة
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا دعا الرجل لأخيه بظهر الغيب قالت الملائكة : ولك بمثل »


الاثنين، 3 ديسمبر 2018

فلا تطفئيه


كنت وأنا فتاة... (هكذا حدثتنا) أعيش بهواي.. أتفنن في زينتي ومكياجي.. وعطري يفوح لأمتار.. ليرى الناس كم أنا أنيقة وجميلة..

وذات يوم.. خرجت إلى السوق مع والدتي.. وبينما أنا أمشي إذ سمعت فجأة صوتاً من خلفي ينادي بصوت يقطر حباً وحناناً :
يا حبيبتي... يا حبيبتي..

فالتفت فإذا بسيدة تصافحني بحرارة .. فصافحتها بدهشة .. فشدت على يدي وقالت بصوت ملائكي حنون :
يا حبيبتي... إني أرى الله قد ألقى على وجهك نوراً.. فلا تطفئيه.. بظلمة المعصية...

فأخذتني العزة بالإثم ونترت يدي من يدها ومضيت غير أني أحسست كأنما كلماتها قد نقشت في قلبي...

فلما عدنا إلى البيت... صارت تأخذني رعدة شديدة كلما ذكرت كلماتها (إني أرى الله قد ألقى على وجهك نوراً ... ).

وساقتني كلماتها إلى المرآة .. ونظرت إلى وجهي.. كأنما أراه لأول مرة.. وخيل إليَّ في وجهي نوراً يضيء ثم يخبو ... عندئذٍ ... رنت في فؤادي كلماتها (فلا تطفئيه بظلمة المعصية ... )

صليت في هذه الليلة... صلاة العشاء، صلاة متدبرة لأول مرة في حياتي... ثم أويت إلى فراشي... غير أن النوم جفاني... وبدأت كلماتها ترنُ من حولي... فلا تطفئيه... فلا تطفئيه... فلا تطفئيه... وأخذت تتجاوب بها جنبات الليل... حتى خيل لي أني أسمع صوتاً يناديني يا فلانة ... إن الله قد ألقى على وجهك نوراً... فلا ... عندئذٍ لم أدع الصوت يكمل بل قمت مسرعةً إلى سجادتي... وقلبي يكاد ينخلع من شدة الخفقان... وخررتُ ساجدة وأنا أهتف
أعاهدك يا رب... ألا أطفئه أبداً...

وبدأت الدموع تنهمر مدراراً وأنا أقول:
يا رب... لقد أمهلتني طويلاً... ما أكثر نعمك... وما أقل حيائي... يا رب..

وترددت صيحة الحق ودوت في جنبات الكون من المسجد المجاور لبيتنا وأنا في بكائي ونشيجي .. ومن لحظتها وفيت بعهدي فلم أطفئه بمعصية أبداً...

حينئذٍ التفت إلى وجهي فإذا هو يتألق نوراً ...

◽️◽️

أسماء الباني
📚 مجلة حياة العدد (٣٠) شوال ١٤٢٣هـ

✍ تحرير : حورية الدعوة
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا دعا الرجل لأخيه بظهر الغيب قالت الملائكة : ولك بمثل »

(كما تدين تدان) سر ابنة الخالة .. والفتى المسكي

(١)
ستر الله ثوبا جميلاً
من أصر على خرقه انفضح!

في أسرة هادئة سعيدة باجتماعها جلس الأب مع أولاده وأهله جلسة حب ومودة، غير أن ابنته ما استطاعت أن تشاركهم هذه الجلسة ومنعها من ذلك زيارة ابنة خالتها التي آثرت أن تكون في غرفة الابنة طوال النهار، غير أن البنت ذات الستة عشر ربيعا لم تضيع فرصة التقاء الأسرة فما تكاد تمر ساعة حتى تنزل إلى حيث تجتمع العائلة فتشاركهم دقائق ثم تعود إلى غرفتها حيث ابنة خالتها حتى حان موعد آذان المغرب والناس صائمون،

فاجتمعت الأسرة للإفطار إلا ابنة الخالة التي أصرت على البقاء في الغرفة، فسأل الأب عن السبب فأخبرته الابنة بأنها غير صائمة وآثرت النوم،

إلا أن الأب أصر أن تشاركهم الطعام، وإن لم تكن صائمة، وقام بنفسه إلى غرفة ابنته لإيقاظ ابنة الخالة، ففتح باب الغرفة ودنا من الجسد المغطى بحنان الأب وحاول كشف رأسها وهنا كانت المفاجأة.. إن النائم ليس ابنة الخالة كما زعمت البنت طوال النهار وليس رأساً لفتاة أصلاً وإنما هو رأس شاب..!

فزع الأب لهول ما رآه واستدعى الشرطة التي ألقت القبض عليه وحملته إلى التحقيق.. وهناك حاول الشاب أن يزعم بأن المسألة لم تتعد مجرد الحديث وعند تهديده بعرض الأمر على الطبيب الشرعي ضعف الشاب وانفرطت اعترافاته كحبات العقد، فاعترف بأنه عاشرها معاشرة الأزواج وبأنه... إلخ

وتابع الشاب بأن هذه ليست المرة الأولى له بل إنه فعل ذلك مع أربع فتيات أخريات وكانت هي الخامسة!!

وهكذا نجد أن الله ستره في الأولى وما انتهى
والثانية وما ارتدع
ثم أبى الله إلا أن يكشف ستره ويفضحه.. وعندما علم الأب سقط من توه.


هذه مواقف تدمع لها العين وينفطر لها القلب وتقلق لها النفس، وتبين لنا جزاء السيئة.. 

ولنختم حديثنا بقصة تبين لنا جزاء الحسنة والفعل الصالح


(٢)
جزاء الحسنة والفعل الصالح

كان هناك شاب يبيع القماش ويضعه على ظهره ويطوف بالبيوت، وكان هذا الشاب جميل الهيئة من رآه أحبه لما حباه الله من جمال، وفي يوم من الأيام وهو يمر بين البيوت أبصرته امرأة فنادته وأمرته بالدخول وقالت له إنني لم أدعك لأشتري منك، ودعته إلى نفسها

فذكرها بالله وأليم عقابه فما زادها إلا إصراراً.
وقالت له: إذا لم تفعل ما آمرك صحت في الناس وقلت لهم دخل داري ويريد أن ينال من عفتي..

فلما رأى إصرارها على الإثم والعدوان، سألها أن تسمح له بالدخول إلى الحمام أولاً، ففرحت لذلك فرحاً شديداً ودخل الحمام وجسده يرتعش من خوف الوقوع في المعصية

وفجأة خطرت له فكرة فقام ولطخ جسده بالقاذورات والأوساخ
وبكى ودعا الله قائلا: ربي وإلاهي وسيدي خوفك جعلني أعمل هذا العمل فاخلف علي بخير،

ثم خرج إليها

فلما رأته على هذه الحال صرخت في وجهه قائلة: اخرج من داري يا مجنون،

فخرج خائفاً يترقب الناس وماذا سيقولون عنه حتى وصل إلى بيته وهناك خلع ثيابه واغتسل غسلاً حسناً

..... ثم ماذا؟ .....

..... هل يترك الله عبده ووليه هكذا؟ .....


لا أيها الأحباب ..... فعندما خرج من الحمام
عوضه الله شيئاً عظيماً بقي في جسده حتى فارق الحياة، 

لقد أعطاه الله رائح عطرية تفوح منه لمسافات بعيدة ويشمها الناس حتى لقب ((بالمسكي))

وعندما مات كتب على قبره: هذا قبر المسكي.


(٣)
جزاء الخير خير مثله

في يوم عرفة حيث تتنزل الرحمات على الناس الذين توجهوا إلى الله بالدعوات.
قال لي صديق: التفت في هذا اليوم وإذا أنا برجل لم أسمع منه غير البكاء والتمتمات فحسدته على موقفه الخاشع ولم أشأ أن أقطع عليه خشوعه بكلام لا يفيد،

وانتهى موسم الحج وعدنا إلى الكويت

وبعد أيام فوجئت به في مكان عام ووجدت فرصة للتعرف عليه
فقال لي في ثنايا حديثه إنه متزوج وله أولاد وإنه عزم في يوم عرفة على أن يؤثر أباه وأمه بالدعاء وكان مما قاله: (اللهم حرم جسد والدي على النار اللهم أدخلهما الجنة)

قال: (وبعدما عدت إلى الكويت وجلست مع أبنائي
قالت لي الكبرى أظنك نسيتنا في الدعاء يا أبتاه غير أننا لم ننسك أبدا، فأنا قد دعيت لك يوم عرفة)

 فسألتها متلهفاً وبماذا دعيت لي؟
قالت كنت أقول: (اللهم حرم جسد والدي على النار اللهم أدخله الجنة)

وهنا ارتمت الصغرى في أحضاني قائلة:
أما أنا فكنت أقول اللهم لا تحرق والدي بالنار..

فسكت سكوت الخاشع
وأدركت أن الجزاء يكون من جنس العمل.

◽️◽️

د. جاسم بن مهلهل الياسين
📚 تم تحريره من مجلة تحت العشرين العدد (١١٣) شعبان ١٤٢٦ هـ

✍ تحرير : حورية الدعوة
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا دعا الرجل لأخيه بظهر الغيب قالت الملائكة : ولك بمثل »

ملف/ من داخل عيادتي (٢/٢)


من داخل العيادة النفسية
د. ليلى العويس
أخصائية اجتماعية وطبيبة نفسية


(٥)
لماذا هذه الفتاة خائفة؟!


وصلتني الرسالة التالية على بريدي الخاص:

د. ليلى أنا مشكلتي كبيرة، ومعقدة ومتراكمة، جذورها تعود إلى فترة الطفولة، وفروعها تمتد إلى ما بعد المراهقة وبداية الشباب وها أنا ذا أجني ثمارها الآن.. نعم هي ثمار شديدة المرارة ولا يكاد الحلق يبتلعها .. لكنها في الواقع ثمار حقيقية لما تراكم من أسباب ومشاكل للحالة التي أعيشها.
مشكلتي تتلخص في أنني أخاف ولا أستطيع مواجهة الآخرين وأرتجف وتضيع الحروف من لساني إذا حاولت التحدث أمام الغير، وأكبر مشكلة عندي أن أخاطب الناس، وإذا طلب مني ذلك أكون كمن حكم عليه بالإعدام. أما إذا أردت أن أعبّر عن أي شيء بالكلمات المكتوبة فليس لدي مشكلة في ذلك، بل ينطلق قلمي بكل حيوية ونشاط، وتنساب الكلمات والعبارات إلى ذهني بوفرة ودون عناء.
قيل لي من أخواتي الأكبر أنني كنت أتبول على الفراش حتى سن الخامسة، وأنني كنت إذا عوقبت لأي سبب من الأسباب ينزل البول مني دون إرادتي.. وكنت أبكي كثيراً وأتشنج من الغضب والانفعال، وأرفض الطعام أحياناً تعبيراً عن الغضب. هذا ليس كل المشكلة، بل جزء مهم منها؛ لكن الجزء الأكثر أهمية هو أنني أعرف الكثير من أعراضي وسبب مرضي وحالتي، وأعرف كذلك أنها لا حل لها إلا عن طريق طبيب نفسي؛ لكن جوهر المشكلة أني أريد حلاً دون أن أدخل عيادة الأمراض النفسية.. فهذه العبارة تنفّرني، وتنرفزني أيضاً، وربما تزيد حالتي سوءاً.. ومن خلال مطالعاتي لملحق بنات اليوم أعجبت كثيراً بطريقة تناولك لحل مشكلات الفتيات، ومنها يتضح مدى خبرتك وتجاربك في هذا المجال.. فأرجوك يا دكتورة أن تبحثي لي عن حل دون أن تطأ قدماي مبنى العيادة النفسية وهذا هو عنواني البريدي، وهذه أرقام هواتفي الثابت والجوال ولك مني كل الشكر والتقدير والدعاء لك بدوام التوفيق والسداد.

ابنتك ر.ع.ع (انتهت الرسالة).

طبعاً هذه ليست الرسالة الأولى التي تصلني من حالات مشابهة، فقط الاختلاف هو أن هذه الفتاة – رغم خوفها – وحالتها النفسية – تتميز بالشفافية العالية، والواقعية في بعض الأحوال، والجرأة في تناول حالتها، وكذلك تشخيصها.. وهذا ما دعاني للاهتمام بالموضوع أكثر وأن أتواصل معها عبر عناوينها التي أرفقتها بالرسالة....

تواصلت معها حتى قابلتها شخصياً، بعد أن أكدت لها احترامي لرغبتها بعدم طلبها في العيادة النفسية، فجلست معها عدة مرات خارج العيادة، ووجدتها فتاة لطيفة وديعة ودودة وجميلة ورقيقة ولمحت في عينيها كل الأعراض التي اشتكت منها، وسألتها عن أشياء كثيرة في البيت والمدرسة والطفولة، ولم أتحرج من سؤالها عن بعض الخصوصيات المتعلقة بها كفتاة سواء في مرحلة المراهقة أو قبلها أو بعدها، فوجدتها عاقلة وذكية وواقعية في تقبل الأسئلة والإجابة عليها بشفافية عالية وصراحة شديدة؛ وكذلك استفسرت والدتها.. عن بعض الأشياء فأجابتني بوضوح.

وعندما أمسكت بخيوط الحالة، وعثرت على رأس الخيط – كما يقولون – واستخلصت كل ما أود الحصول عليه من معلومات، أخبرتها بأنها كانت في العياة النفسية.. وشرحت لها أن العيادة النفسية لا تعني المبنى والمكتب واللافتة التي يكتب عليها اسم الطبيب وتخصصه، ولا هي حتى السماعة والأجهزة. فقط العيادة النفسية تعني الحوار الذي يدور بين الطبيب والمريض، قبل التدخل العلاجي.

واضح جداً أن الفتاة (ر.ع.ع) تعاني من رهاب نفسي ورهاب اجتماعي، ومن خلال تطابق إفادات الفتاة مع ما جاء على لسان أمها، تأكد لي أنها تعرّضت للضرب والإهانة أكثر من مرة في طفولتها، وتعرضت للاضطهاد والزجر كثيراً وهي مراهقة، وهذا اوجد لديها شعوراً بالخوف على نفسها من الآخرين، وأوجد لديها في ذات الوقت رهبة من تحدثها أمام الغير، وأضعف شخصيتها، وأفقدها الثقة في نفسها.. هي غير مرتبة الدواخل؛ رغم أنها تبدو متوازنة (ظاهرياً).

بعد أن أزلت من نفسها الخوف تجاه (العيادة النفسية) وجعلتها تأتي بقدميها إلى عيادتي، وتطرق بابها وتدخل مطمئنة بل مبتسمة.
حتى وصلت إلى المرحلة التي قالت لي فيها إنها صارت ترتاح نفسياً عندما تحضر إلى العيادة.. رغم أنني كنت على استعداد أن أكمل معها العلاج في منزلها، في حالة رفضها المجيئ إلى العيادة؛ لكنني أيضاً كنت على ثقة أن أحد الأمرين سيكون سبباً في علاج الآخر، إما مجيئها إلى العيادة سيكمل علاجها، أو البدء في العلاج سيجعلها تزور العيادة، وقد حدث هذا الأخير.. وهذا أفضل من ناحية العلاج النفسي، فحينما يعرف المريض أنه داخل عيادة نفسية سيكسر حاجز الخوف ويقطع نصف المسافة باتجاه العلاج.

واصلت معها العلاج عبر عدة جلسات، وكانت تستجيب للعلاج بصورة جيدة، وروحها المعنوية ظلت ترتفع بوتيرة متصاعدة.

ولم يستمر العلاج سوى بضعة أسابيع وخرجت الفتاة في آخر مقابلة من العيادة وهي أكثر ثقة بنفسها وأكثر حباً لمن حولها وأكثر قدرة على مواجهة المواقف وليس فقط مواجهة الناس، وقبل كل ذلك أكثر ثقة واطمئناناً للعيادات النفسية.

**
مجلة بنات اليوم العدد (٢١)


______________


(٦)
أفراح
تصرخ من عمق الأحزان..!!



قبل أن تحضر أفراح إلى عيادتي النفسية، اتصلت بي والدتها وأخبرتني بأن ابنتها بحاجة إلى علاج نفساني، وليس من السهولة إقناعها بمقابلة اخصائية نفسية، فقد يؤدي الأمر إلى تفاقم حالتها.. ولدى استفساري عن الحالة التي تمر بها عرفت أنها تعاني من نوع من الرهاب الذي أتى بمضاعفات نفسية أخرى فاقمت من حالتها، وعلمت أنها تتصرف بما يدل على كرهها لوالديها ولكل من حولها، وهي تدرس بالمرحلة المتوسطة، السنة النهائية، وعندما تعود من المدرسة تأتي إلى المنزل مكرهة، بينما تغادر الصباح وهي مرتفعة المعنويات..

ترتمي في فراشها لدى عودتها من المدرسة، دون أن تسلم على أي من والديها، لا تأكل معهما، اعتادت أن تتناول الطعام مع إخوتها الصغار أو منفردة.. هذا الأمر كان يزعج والديها ويقلقهما بشدة، أخذ الوالد يمارس عليها بعض الضغوط.. لكنها زادت نفوراً، بل صارت تصرح لأخواتها أنها لا تطيق رؤية والدها.. أما والدتها.. فهي تكلمها وقت الحاجة فقط.. وما عدا ذلك.. فلا مؤانسة.. ولا صراحة، ولا علاقة خاصة.. استطاعت الأم أن تقنعها بمصاحبتها عندما حضرت إلى عيادتي.. باعتبار أن أمها التي ترغب في مقابلتي.. لكنني عند رؤية (أفراح) بصحبة أمها.. تظاهرت بأنني أعجبت بها ورغبت في التعرف إليها.. وبالفعل فهي فتاة جميلة، هادئة فارعة، عيناها تحكيان الكثير، توحي لمن يراها بأنها عاقلة وواعية وذكية.

عبرت لها عن إعجابي بشخصيتها وجمالها وذكائها، واستطعت أن أكسب ثقتها ووجدت لديها رغبة في التحدث إلي والتعرف بي أكثر.. فتحت معها خطاً مباشراً، وصرت أتسلل من خلاله إلى أدق خصوصياتها.. ولم أتردد في أن أقول لها (يبدو أنك تعيشين مشكلة ما، وأنا مستعدة أن أعينك على حلها.. وبهدوء دون أن يعلم بذلك أحد.. بعدها فتحت لي قلبها وأخذت تروي جانباً من معاناتها، فقالت: (منذ طفولتي شعرت بأن تناقضاً ونفاقاً يمارس في بيتنا.. فوالدي يضربنا على أبسط الأشياء ويرتكب أكبرها.. والبنت في قاموس أهلي.. إنسان ناقص.. وربما أرفع درجة من الحيوان قليلاً.. كنت أُضرب لكي أنام، وأُضرب لكي أصحو من النوم ولأذهب إلى المدرسة، وإذا دخلت غرفة لأنام أُطرد منها، وإذا دخلت غرفة أحد اخواني يذودوني عنها، أخواتي الكبريات معقدات نفسياً.. أصبح وجود أبي في البيت يعني البعبع المخيف.. وغيابه يترك فسحة من الراحة النفسية لدينا جميعاً.
صرت أخاف من المستقبل، وأرى الزواج حكماً بالإعدام ينتظرني، أرى مقصلته كلما أغمضت عيني، وأسمع صليل سيفه كلما سمعت وقع خطوات أبي وهو يسير نحوي ليأمر وينهى، ويضرب ويبطش.. وقتها أتذكر.. كيف تزوجت أختاي الكبريان.. حيث عقدت الصفقة بليل، ولم تُعلما عن زوجيهما شيئاً إلا بعد الانتقال إلى عشي الزوجية (حظيرتي الزوجية) اللتين رأتا فيهما صنوف الأذى والعذاب.. وكلما اشتكت إحداهما من سوء المعاملة، ضربها والدي وأعادها إلى زوجها.. لهذا فأنا خائفة من المصير المجهول.. من القادم القاتم)..

من خلال حديثها، عرفت أن أفراح غارقة في بحر من الأحزان، حتى أن والدتها تقول عنها: إنها تطلق على نفسها (أحزان) بدل أفراح.. فهي عانت في طفولتها.. وواجهت قمعاً شديداً من أهلها أفرز عندها خوفاً وكرهاً.. وأصبحت نفسيتها مرتبكة.. وثقتها في أهلها مهزوزة.. بل في كل الرجال.. وكثير ممن حولها..

أفراح تحتاج تغيير معاملة أهلها تغييراً شاملاً.. وتحتاج إلى وقفة أمها، ثم أبيها.. حتى تعود إلى طبيعتها..

صحيح يستطيع الطب النفسي أن يعيد لها بعضاً من ذاتها.. لكن وعدتني والدتها أن تضع يدها بيدي، لكي نقود أفراح سوياً إلى شواطئ السلامة والمعافاة.. وقد بدأنا المشوار بالفعل بعد أن حصلنا على ثقتها واستعدادها النفسي، وقطعنا شوطاً بعيداً.. ساعدنا على السير فيه التحول في معاملة أبيها لها، وهي الآن تقترب من العودة إلى الحالة السوية..

**
مجلة بنات اليوم العدد (١٣)


______________


(٧)
تراكمات نفسية


حينما يسود مستوى معين من الثقافة والوعي الصحي، يسهل على الطبيب الكثير في سبيل الوصول إلى التشخيص ومن ثم العلاج.. كما أن الوعي بالصحة النفسية بصفة خاصة لم يكن متوفراً بالقدر الذي يجب أن يكون عليه الناس؛ لكن ثقافة الصحة النفسية بدأت في الانتشار مؤخراً، حيث صار البعض يذهبون إلى العيادات النفسية بأقدامهم وباختيارهم عكس ما كان في الماضي؛ إذ كان المريض يؤخذ إليها إما عنوة أو خداعاً.

(أشواق) فتاة جميلة، هادئة رزينة، ذات عينين زرقاوين، وقامة طويلة، وبشرة بيضاء، وذكاء عالٍ؛ لكنها كانت تعاني من بعض الاضطرابات النفسية التي انعكست على سلوكها وتصرفاتها، وأثّرت بالتالي على صحتها، وعلى أسرتها التي كانت منزعجة جداً مما تعانيه (أشواق) المحبوبة جداً من إخوتها وأهلها وأقاربها.

حضرت (أشواق) إلى عيادتي بصحبة والدتها وهي تعاني من حالة نفسية تركت بصماتها على صحتها الجسدية، وذكرت والدتها أنها تعيش ظروفاً نفسية غير طبيعية من خلال تصرفاتها مع والديها، وانزوائها بعيداً عن بقية أفراد الأسرة، وكذلك القلق والخوف.. والشرود الذهني الذي يسيطر عليها في كثير من الأحيان.. وتدني مستواها الدراسي.. هذا فضلاً عن ارتدائها بعض الملابس الرجالية (الخاصة بإخوانها)؛ حيث وصل بها الأمر إلى ارتكاب أخطاء سلوكية..

كانت الفتاة في وضع شبه طبيعي، يوحي بأنها تستوعب كل ما تقوله والدتها، وما بدر مني من استفسارات عن حالتها، ونصائح علاجية تحدثت إليها مباشرة وسألتها عن تفكيرها في المستقبل ومخاوفها، وعن هواياتها وتطلعاتها.. وعن البيئة المحيطة بها.. وعن صديقاتها وزميلاتها وعلاقتها بهن.. فكان هذا مربط الفرس.. ورأس الخيط الذي قاد إلى تشخيص حالة (أشواق) وبعد الاستماع إلى خلاصة عرض والدتها لحالتها النفسية وتصرفاتها وسلوكها.. تبين أن الفتاة تعيش تراكمات نفسية ربما تكون قد ترعرعت معها منذ الصغر، وامتزجت هذه التراكمات بمنهجية الأسرة في تربية الأبناء، يضاف إليها العادات والتقاليد التي تسيطر على المجتمع الذي يغلب عليه الطابع الذكوري.

نشأت (أشواق) واشتد عودها في كنف أسرة تتكون من أب وأم وبنت (هي أشواق) وخمسة أولاد.. فمنذ أن تفتحت عيناها على الدنيا وجدت نفسها فتاة وحيدة وسط خمسة من الأولاد.. فكان هذا الشيء يحز في نفسها.. ويرسخ فيها شيئاً من النقص.. ويكرس فيها عقدة النقص والضعف..

لم يبخل عليها والدها بشيء.. كان يغمرها بفيض الحنان، ويوفر لها الألعاب والملابس والمقتنيات منذ نعومة أظافرها.. ولا يحوجها إلى شيء حتى وهي تلميذة في المدرسة.

الشيء الذي لم يستطع والدها أن يوفره لها هو وجود أخت معها في المنزل تلاعبها وتضاحكها وتقاسمها لحظات الهناءة والترويح والترفيه.. كان وجود (أشواق) وسط عدد من الأولاد تختلف ميولهم واهتماماتهم وهواياتهم عنها مؤثراً جداً على تكوينها النفسي.. كبرت الفتاة وكبر معها ذلك الشعور.. حينما تأخذ قسطاً من الراحة بعد حضورها من المدرسة يتفرق إخوتها حسب اهتماماتهم وأنشطتهم وبرامج أصدقائهم وغير ذلك من الارتباطات والالتزامات.. لكن (فتاتنا) كانت تظل قابعة في (قعر بيتها) تلازم غرفتها (الموحشة) و(سريرها الممل).. وبمرور الأيام أخذ هذا الشعور يتنامى ويتسع مداه وتتمدد مساحته.. وأخذت آثار مخالبه تنغرس في جوف (أشواق) وأحشائها.. وظلت هذه الرواسب تتراكم يوماً بعد يوم حتى.. توقفت قدرتها على امتصاص تلك المشاعر والأحاسيس، لتنفجر في يوم من الأيام في شكل تصرفات وسلوكيات جعلت أهلها يعرضونها على العيادة النفسية.

لم يكن التعاطي مع مشكلة هذه الفتاة صعباً، بل كان من السهولة بمكان، خاصة بعد صراحة أمها وعرضها الحقائق كاملة، و(قبل كل شيء) إرادة الله تعالى، ثم تجاوب (أشواق) وتفاعلها مع الطبيبة والتزامها بجلسات العلاج.. ومعرفتها أنها تعاني من حالة تستدعي العلاج.. كل هذا سهل المهمة في التعامل مع هذه الحالة وأسهم في اقتيادها إلى (بر الأمان) بكل يسر وسهولة.. فلم تمكث في العيادة إلا قليلاً، ولم تتردد عليها كثيراً.. وحظيت برعاية واهتمام كبيرين ووفقنا الله في علاجها.. ومتابعة حالتها بعد العلاج.. وتأكد أنها تسير على ما يرام؛ حيث تم زواجها بعد ذلك بقليل.. والآن ربما هي أم لأكثر من طفل.

**
مجلة بنات اليوم العدد (٢٢)


______________


(٨)
حدث في ذاكرة الطفولة

زارتني في عيادتي النفسية في الصيف الماضي شابة في السابعة عشرة من عمرها، ولكن هيئتها تنبئك وكأنها في العشرينات، وكانت بصحبتها والدتها التي تولت مبادرة الحديث، وكانت البنت تستمع باهتمام – مثلما أفعل أنا – وكأنها تسمع الكلام للمرة الأولى، رغم أن حديث والدتها كان عنها هي شخصياً ولم يكن عن أي شخص آخر.
في حضورها ركزت أمها على الأعراض الاعتيادية، بأنها مرهقة ذهنياً، وقليلة النوم، وكثيرة الخوف والانفعالات حتى مع أخواتها وإخوانها، وعصبية بعض الشيء لدى نقاشها مع أمها.

وبعد أن تحدثت مع (سامية) بترحاب ونوع من المجاملة والداعبة، استأذنتها ودخلت مع أمها في حجرة مجاورة في ذات العيادة، وطلبت منها أن تعطيني نبذة مختصرة عن حياتها منذ أن كانت طفلة، وأبرز محطات حياتها، وما هو أعظم حدث تعرضت له، وعرفت أنها قبل أكثر من ثماني سنوات تعرضت لمحاولة اختطاف من أحد المراهقين لدى عودتها من المدرسة القريبة من بيتها، ولكن المارة استطاعوا تخليصها من ذلك الذئب البشري وإبلاغ الجهات الأمنية التي سيطرت على الموقف وتم القبض على الجاني.. أي أنه لم يصبها شيء من جراء تلك الحادثة، ولكنها كانت نقطة تحول سلبية في حياتها.. حيث طار قلبها في تلك اللحظات.. وهي طفلة يافعة.. وظنت أنها خطفت، وحدثت لها صدمة نفسية.. وتخيلت أن كل الناس عرفوا عنها ذلك الموقف.. رغم أن الحادثة لم يشهدها إلا بضعة أشخاص أوصلوها إلى باب منزلها.. ولكن لهول الحدث ومفاجأته أصيبت بصدمة بقيت آثارها طيلة هذه المدة .. وفي ذات اليوم جلست تبكي لساعات طويلة ورفضت الأكل والشرب وبقيت بملابس المدرسة حتى المساء .. كل هذه التراكمات أثرت في نفسيتها، وجعلتها تنهض من نومها مذعورة منتصف الليل وشبح (الخاطف) يسيطر على خيالها.. مما زاد الطين بلة أنها في اليوم التالي للحادثة ذهبت إلى المدرسة وهي منكسرة نفسياً .. ولديها إحساس داخلي بأن من حولها يعلمون ما جرى.. وربما يؤولونه إلى أكثر مما جرى. خصوصاً وأن إحدى زميلاتها وجارتها تسلل إليها النبأ .. وسألتها عن التفاصيل ولكن (سامية) لم تستطع أن تجيب عن أسئلتها.. وصارت تكره هذه البنت التي علمت عن أمرها.. ومنذ ذلك الحين وسامية في دوامة من الانتكاسات النفسية والصحية، وهذا سبب لها توتراً وقلقاً دائمين وتعودت على قلة النوم، والانطواء، وعدم الاختلاط مع بنات الأهل حتى في المناسبات، وإذا حضرت تكون على طرف منزوٍ بعيد عن بقية الفتيات.. وبالقرب منهن بجسدها فقط، ولكن عقلها يكون شارداً خارج إطار المكان والزمان، ولا تشارك برأيها ولا تحسن الاستماع ولا تتفاعل مع الأجواء مهما كانت مرحة .. هذه هي صورة (سامية) التي أتت إلي في عيادتي.. وبعدما استخلصت كل المعلومات الأساسية والضرورية المهمة من والدتها وجلست معها بعض الوقت لأعطيها دفعات معنوية، وأطمئنها وأعزز ثقتها بنفسها طلبت منها أن تحضر في اليوم التالي مؤكدة لها أنها ذكية وجميلة وواعية، وشيء من الإطراء الذي جعلها تنظر إلي نظرة إعجاب واحترام وتقدير. حتى أكون مصدر ثقة لها واطمئنان بحيث أن كل ما يصدر مني لابد أن يجد لديها التقدير والتنفيذ الصارم.. وهذه أهم نقطة في مشوار العلاج النفسي ..

في اليوم التالي بدأت معها طرف الحديث وتركتها تتحدث بمنتهى الصراحة .. فقالت: أشعر بالضيق من نفسي، والذين من حولي وأتضايق من نظراتهم وأكاد أفسرها ضدي .. وأقل كلمة من والدي أو إخواني تبكيني وأشعر أنني مستهدفة ولكن صدقيني منذ أن تعرفت عليك بالأمس أحسست أنني أرى بصيص أمل لكي أثق بالناس وشعرت بأن الدنيا فيها من يفهمني ويهتم بي، ولكن كل الذين يعرفوني كانوا يعاملوني بقسوة، ولوم ويصفوني بالتخلف ويتهموني بالتقصير حتى أقرب الناس إلي.

واستمعت إليها حتى أكملت حديثها وأصغيت إليها باهتمام شديد حتى شعرت هي بالراحة النفسية وأشعرتها بأنها طبيعية وتصرفاتها سليمة، وأنها عاقلة وذكية، وأكدت لها أنها أفضل من غيرها من البنات، فقط تحتاج إلى إعادة الثقة بنفسها، وبمن حولها .. ووعدتني أن تنفذ نصائحي بدقة متناهية، وأهمها أن تتعامل مع الغير مثلما تتعامل معي بابتسامة وسعة صدر وثقة، وألا تفسر أي تصرف إلا في حدود الظروف التي حدثت فيها، وقصصت عليها قصصاً جيدة استوعبتها، وطلبت منها أن تطبق بعض الخطوات ونفذتها، وواصلت معي جلسات يومية ثم نصف أسبوعية وأخيراً أسبوعية وصرت بعدها أزورها في البيت وكانت تستقبلني بتركيز شديد ووعي وأحس أهلها أنها عادت إلى طبيعتها، حتى بنيتها تحسنت كثيراً، لأنها صارت تأكل بشكل طبيعي وتنام وقتاً كافياً.

(سامية) زارتني للمرة الأولى وهي أقرب إلى الشبح وصامتة، وفي آخر زيارة كانت فتاة رائعة الجمال والابتسامة ومدهشة وخفيفة الظل وتداعب وتحكي (النكتة) وتشارك في النقاش والحوار.

◽️◽️

📚 مجلة بنات اليوم العدد (٧)

✍ تحرير : حورية الدعوة
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا دعا الرجل لأخيه بظهر الغيب قالت الملائكة : ولك بمثل »

◽️◽️

الموضوع في صفحة أخرى صيد الفوائد:
ملف/ من داخل عيادتي (١)